عبد الرحمن بن ناصر السعدي

727

تيسير الكريم الرحمن في كلام المنان

يحكمون لأنفسهم بغير ذلك . * ( وبدا لهم سيئات ما كسبوا ) * أي : الأمور التي تسوؤهم ، بسبب صنيعهم وكسبهم . * ( وحاق بهم ما كانوا به يستهزئون ) * من الوعيد والعذاب الذي نزل بهم ، وما حل عليهم من العقاب . * ( فإذا مس الإنسان ضر دعانا ثم إذا خولناه نعمة منا قال إنما أوتيته على علم بل هي فتنة ول كن أكثرهم لا يعلمون * قد قالها الذين من قبلهم فمآ أغنى عنهم ما كانوا يكسبون * فأصابهم سيئات ما كسبوا والذين ظلموا من ه ؤلاء سيصيبهم سيئات ما كسبوا وما هم بمعجزين * أولم يعلموا أن الله يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر إن في ذلك لآيات لقوم يؤمنون ) * يخبر تعالى عن حالة الإنسان وطبيعته ، أنه حين يمسه ضر ، من مرض ، أو شدة ، أو كرب . * ( دعانا ) * ملحا في تفريج ما نزل به * ( ثم إذا خولناه ) * أي : أعطيناه * ( نعمة منا ) * فكشفنا ضره وأزلنا مشقته ، عاد بربه كافرا ، ولمعروفه منكرا . و * ( قال إنما أوتيته على علم ) * أي : علم من الله ، أني له أهل ، وأني مستحق له ، لأني كريم عليه ، أو على علم مني ، بطرق تحصيله . قال تعالى : * ( بل هي فتنة ) * يبتلي الله بها عباده ، لينظر من يشكره ممن يكفره . * ( ولكن أكثرهم لا يعلمون ) * فلذلك يعدون الفتنة منحة . ويشتبه عليهم الخير المحض ، بما قد يكون سببا للخير أو للشر . قال تعالى : * ( قد قالها الذين من قبلهم ) * أي : قولهم * ( إنما أوتيته على علم ) * . فما زالت متوارثة عند المكذبين ، لا يقرون بنعمة ربهم ، ولا يرون له حقا . فلم يزل دأبهم ، حتى أهلكوا ، * ( فما أغنى عنهم ما كانوا يكسبون ) * حين جاءهم العذاب . * ( فأصابهم سيئات ما كسبوا ) * والسيئات في هذا الموضع : العقوبات ، لأنها تسوء الإنسان وتحزنه . * ( والذين ظلموا من هؤلاء سيصيبهم سيئات ما كسبوا ) * فليسوا خيرا من أولئك ولم يكتب لهم براءة في الزبر . ولما ذكر أنهم اغتروا بالمال ، وزعموا بجهلهم ، أنه يدل على حسن حال صاحبه : أخبرهم تعالى ، أن رزقه ، لا يدل على ذلك ، و * ( أن الله يبسط الرزق لمن يشاء ) * من عباده ، سواء كان صالحا أو طالحا * ( ويقدر ) * الرزق . أي : يضيقه ، على من يشاء ، صالحا أو طالحا ، فرزقه مشترك بين البرية . والإيمان والعمل الصالح يخص به ، خير البرية . * ( إن في ذلك لآيات لقوم يؤمنون ) * أي : بسط الرزق وقبضه ، لعلمهم أن مرجع ذلك ، عائد إلى الحكمة والرحمة ، وأنه أعلم بحال عبيده . فقد يضيق عليهم الرزق لطفا بهم ؛ لأنه لو بسطه لبغوا في الأرض ، فيكون تعالى مراعيا في ذلك ، صلاح دينهم الذي هو مادة سعادتهم وفلاحهم ، والله أعلم . * ( قل يعبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعا إنه هو الغفور الرحيم * وأن يبوا إلى ربكم وأسلموا له من قبل أن يأتيكم العذاب ثم لا تنصرون * واتبع وا أحسن ما أنزل إليكم من ربك م من قبل أن يأتيك م العذاب بغتة وأنتم لا تشعرون * أن تقول نفس يحسرتا على ما فرطت في جنب الله وإن كنت لمن الساخرين * أو تقول لو أن الله هداني لك نت من المتقين * أو تقول حين ترى العذاب لو أن لي ك رة فأكون من المحسنين * بلى قد جآءتك آياتي فكذبت بها واستكبرت وكنت من الكافرين ) * يخبر تعالى عباده المسرفين ( أي : المكثرين من الذنوب ) بسعة كرمه ويحثهم على الإنابة ، قبل أن لا يمكنهم ذلك فقال : * ( قل ) * يا أيها الرسول ومن قام مقامه ، من الدعاة لدين الله ، مخبرا للعباد عن ربهم : * ( يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم ) * باتباع ما تدعوهم إليه أنفسهم من الذنوب ، والسعي في مساخط علام الغيوب . * ( ولا تقنطوا من رحمة الله ) * أي : لا تيأسوا منها ، فتلقوا بأيديكم إلى التهلكة ، وتقولوا قد كثرت ذنوبنا ، وتراكمت عيوبنا ، فليس لها طريق يزيلها ، ولا سبيل يصرفها ، فتبقون بسبب ذلك ، مصرين على العصيان ، متزودين ما يغضب عليكم الرحمن ، ولكن اعرفوا ربكم ، بأسمائه الدالة على كرمه وجوده . واعلموا * ( إن الله يغفر الذنوب جميعا ) * من الشرك ، والقتل ، والزنا ، والربا ، والظلم ، وغير ذلك من الذنوب الكبار والصغار . * ( إنه هو الغفور الرحيم ) * أي : وصفه المغفرة والرحمة ، وصفان لازمان ، ذاتيان ، لا تنفك ذاته عنهما ، ولم تزل آثارهما ، سارية في الوجود ، مالئة للموجود . تسح يداه من الخيرات ، آناء الليل والنهار ، ويوالي النعم والفواضل على العباد في السر والجهار ، والعطاء أحب إليه من المنع ، والرحمة سبقت الغضب وغلبته . ولكن لمغفرته ورحمته ونيلهما أسباب ، إن لم يأت بها العبد ، فقد أغلق على نفسه باب الرحمة والمغفرة ، أعظمها وأجلها ، بل لا سبب لها غيره ، الإنابة إلى الله تعالى بالتوبة النصوح ، والدعاء ، والتضرع ، والتأله ، والتعبد . فهلم إلى هذا السبب الأجل ، والطريق الأعظم . ولهذا أمر تعالى بالإنابة إليه ، والمبادرة إليها فقال : * ( وأنيبوا إلى ربكم ) * بقلوبكم * ( وأسلموا له ) * بجوارحكم . إذا أفردت الإنابة ، دخلت فيها أعمال الجوارح ، وإذا جمع بينهما ، كما في هذا الموضع ، كان المعنى ما ذكرنا . وفي قوله : * ( إلى ربكم وأسلموا له ) * دليل على الإخلاص ، وأنه من دون إخلاص ، لا تفيد الأعمال الظاهرة والباطنة ، شيئا . * ( من قبل أن يأتيكم العذاب ) * مجيئا لا يدفع * ( ثم لا تنصرون ) * . فكأنه قيل : ما هي الإنابة والإسلام ؟ وما جزئياتهما وأعمالهما ؟ فأجاب تعالى بقوله : * ( واتبعوا أحسن ما أنزل إليكم من ربكم ) * مما أمركم من الأعمال الباطنة ، كمحبة الله ، وخشيته ، وخوفه ، ورجائه ، والنصح لعباده ، ومحبة الخير لهم ، وترك ما يضاد ذلك . ومن الأعمال الظاهرة ، كالصلاة ،